مصطفى لبيب عبد الغني

26

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

يونانية أو غير يونانية ، أو باعتباره محض تكيف مع عقائد أخرى سابقة ، وهي بالطبع نظرة غافلة عن بنيته الأصيلة وإطاره المتميز ، مع أننا نقدّر تماما تلك المحاولات الجادة والجديرة بالإعجاب التي بذلها هذا الفكر الإسلامي للتفاعل والتكيف مع حصاد الفكر العالمي السابق والذي كان مبذولا في بيئة الإسلام الخصبة الواسعة . ومعلوم أن الحضارة الإسلامية كانت وريثة لمعظم حضارات العالم القديم بل ولأكثر هذه الحضارات ازدهارا فيه ، ولا تغيب عنا أبدا حقيقة الاتصال الفعال لتيار الحكمة المتدفق للوعى الإنسانى العام وهو ما لا يجب التهوين منه بحال ما ونحن نجاهد لتحديد الخصوصية الثقافية عند أمة من الأمم أو في فترة من فترات التاريخ الثقافي بمكوناتها الذاتية . ولقد وعى مفكر والإسلام ، منذ البداية ، وبتوجيه رائع من العقيدة ، حقيقة هذا الاتصال ومغزاه . وحفلت النصوص المبكرة عند جابر بن حيان وأبي بكر الرازي وأبى يعقوب الكندي ومن تلاهم من أعلام الفكر الاسلامي بالتوقير البالغ لرموز الحكمة القديمة في مختلف الثقافات ، واليونانية منها على الخصوص ، وبالاعتراف بأبوتهم الروحية « 1 » ، وبحيث تتقرر في حسم ووضوح رؤية الفكر الإسلامي التي يتحدد معها أن الأصالة التامة أو الإبداع الخالص للمفكر مجرد وهم لا يتفق مع اتصال الحضارات ومساراتها في التأثير والتأثر ، وأن نهاية ، المتقدم هي بالفعل بداية المتأخر . وسوف نرى أن الرازي ، لا يخرج في هذا ، على سنة العباقرة العظام وقد كان الرجل بالفعل يحيا مواطنا في مملكة الإنسانية العاقلة . غير أنه من الأهمية بمكان ملاحظة أن المفكر متى يسبق عصره أو يخرج على الأسس المستقرة في

--> ( 1 ) يراجع في هذا على سبيل المثال « نخب من كتاب التجميع لجابر بن حيان - ص 362 ، 389 : « مختار رسائل جابر بن حيان » : تصحيح ونشر كراوس ، مكتب ؟ ؟ ؟ اسانجى القاهرة 1354 ه و « الشكوك على جالينوس » لأبى بكر الرازي ورقة 1 ، مخطوط مجلس شوراى ملّى رقم 4679 و « رسالة الكندي في الفلسفة الأولى » تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريده ، القاهرة 1978 و « فصل المقال » لابن رشد ص 32 - 33 نشرة ألبير نصرى نادر ، دار المشرق بيروت 1968 .